معظم الشعب السوداني كان يصنع الخمور البلدية في مناسباته قبل قوانين سبتمر 1983 و لا يستثنى من ذلك الريف و لا الحضر و لا بيوتات المشايخ و لا غيرهم …
كانت المحافل و الحفلات كلها تبرج و مجون و ذلك لا يختلف عليه اثنان لمن عاشر تلك الحقبة بالبلاد …
كانت هنالك أندية لمعاقرة الخمر و لعب القمار على رأس الأشهاد بل ترتفع رايات أعلى بيوت ( الأنادي ) جمع ( أنداية ) وهي محلات بيع الخمور ( المريسة ، الدقة ، العسلية و العرقي )
و بيوت الدعارة تقام جنباً إلى جنب مع تلك الأماكن الفاجرة و كل ذلك محمي بالقانون الذي نادت به قحت عندما جاءت لحكم السودان في الفترة الانتقالية المشئومة …
لكن اللائي يمتهن صناعة الخمور و بيعها و يمارسن المهن المصاحبة لها ما كان لهن أصل غير الافريقانية و الديانة المسيحية …
أغلب نساء الأندية الراقية المعروفة في الخرطوم العاصمة كن من جنسيات الأحباش و شمال افريقيا …
بعد قوانين الشريعة الاسلامية و الفضل فيها يرجع للرئيس نميري رحمه الله و للحركة الاسلامية السودانية تلاشت تلك المظاهر و لكن ثمة عمل غريب قد حدث …
نفس الجهة التي مارست التفرقة العنصرية بصناعة المناطق المقفولة في الجنوب سابقاً مارستها داخل المجتمع السوداني في الخفاء
فانتجت صنفاً آخر من أبناء الشعب الواحد يحمل في طياته إحساس التهميش و الأقلية الدينية و العرقية الإفريقية و الطبقية الدونية
و استقلت هذه الجهات قضايا النزوح إلى الوسط و الشمال …
و بالتأكيد سيجد النازحون مناطق الاستقرار افضل حالا و أكثر رقياً و أوسع تعليماً و تحضراً مما يزيد غبن التهميش المصطنع …
فالوسط اسهمت في رقيه مشاريع الجزيرة و حلفا و الرهد و السوكي و مشاريع الإعاشة التي تهيأت لإيجادها البيئة الجغرافية و امكانيات الإنجليز و اتفاقيات السد العالي …
و حوض النيل في الشمال شكل حضارةً منذ القدم بل منذ نشأت البشرية الأولى . لكن هذه الحضارة لم تبعد عن النيل أكثر من عشر كيلو مترات شرقاً أو غرباً حيث تجد الصحراء و معاناة البشر و الحيوان و النبات …
فالنازحون لا يعرفون هذه الحقائق و تظل التعبئة الخبيثة عالقة في نفوسهم . تزيدهم غبناً على غبنهم و تزيدهم تبلداً على اختلاف البيئات و قلة حيلة التكسب و العمل . فتتسع لديهم مفاهيم التهميش …
و مشروع الجزيرة ظل جاذباً حتى مطلع الثمانينات من القرن الماضي . و كما هاجر إليه أهل الشمال بجميع قبائلهم أيضاً جاءه أهل الغرب و كردفان بكافة لهجاتهم و سحناتهم و لكن هجرتهم جاءت متأخرة جداً . حيث انتهى تمليك الحواشات الزراعية و القرى السكنية ووجدوا المشروع في نهايات شبابه …
و عليه قامت الكنابي على حواف حواشات الملاك و على أطراف القرى و على شوارع الترع و المياجر . و ظل سكان الكنابي يحتفظون بعاداتهم و تقاليدهم التي أتوا بها دون مزجها مع أهالي الجزيرة …
أهالي الجزيرة في الغالب كانوا أصحاب الأرض قبل قيام المشروع و غالبيتهم من قبائل الكواهلة و رفاعة بكافة فروعها فوجودهم سابق و ملكيتهم للارض ثابتة عرقيتهم معروفة و حقوقهم محفوظة و يجب ألا يكون ذلك مسار خلاف أو دافع كراهية …
أما العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث ظلت محل غزو للنزوح و محل تكسب هامشي للنازحين من مناطق الجفاف و النزاع و أماكن المعيشة الشاقة و محل غزو مصطنع لخلق البطالة و تعطيل الانتاج الزراعي و الرعوي و الحيواني …
و بذلك أصبحت العاصمة تتمدد بالسكن العشوائي تزيد بالعطالة مما غذى مراكز الجريمة و زاد من الأعباء الأمنية و السياسية و المجتمعية …
فصارت جرائم السرقة و السطو و الخمور و المخدرات و تسعة طويلة ترتبط بجهات معينة و عرقيات بعينها و دونكم مضابط الشرطة و اصلاحيات السجون …
و كما ذكرنا أن جهات خلف هذا الارتباط العرقي بالجرائم . لاستمرار الكراهية العنصرية و تمهيدا للفوضى الخلاقة و انفراط العقد الأمني و انهيار أو تقسيم الدولة …
لابد من معالجة الجريمة المرتبطة بالعرق و الجهة بواسطة دراسات علمية عميقة و حكيمة . تحفظ السودان موحدا و تذيب البعد القبلي في مجتمع الدولة التي انهكتها مثل تلك الظواهر و أقعدتها عقلية البساطة و أصابع الاستهداف و استهتار الحكومات …
قانون الادارة الاهلية المرتقب يجب أن يستصحب تلك الظاهرة الخطرة . ذلك باتخاذ القبيلة وسيلةً لتذويب القبلية نهائياً . حتى يكون السودان في يوم ما قبيلة واحدة و حكومةً فدراليةً ذات مركز عادل و أقاليم ذات تحفيز جاذب …
