وقفت طويلا أتأمل الفكرة قبل أن أكتب وراجعت نفسي مرارا هل يحتمل هذا الوطن مزيدا من الوجع المكتوم وهل نملك رفاهية الصمت؟ ثم تجاوزت التردد لأن بعض العناوين لا تختار بل تفرض نفسها فرضا، هكذا جاء هذا العنوان موجعا وصادقا وقاسيا بقدر ما هو حقيقي.
السودان اليتيم عاش سنوات ثقيلة لكن ما أعقب ثورة ديسمبر كان الأكثر إرباكا وقسوة تحولات عميقة اجتاحت كل مناحي الحياة، وصعد إلى المشهد سياسيون قادوا البلاد
عن عجز أو تشفي إلى هذا المنعطف الحاد كانت فترة مثقلة بالظلم مشحونة بالانتقام ومفتوحة على كل الاحتمالات السيئة حتى جاءت الحرب اللعينة التي شنتها مليشيا آل دقلو الإرهابية على الوطن في واحدة من أكبر الخيانات في تاريخ السودان الحديث حرب دبرت بليل واشعلت بدم بارد فالتهمت الأخضر واليابس ولم تفرق بين حجر وبشر.
ما قادني إلى هذا العنوان المؤلم ليس لحظة انفعال عابرة بل حصيلة ثلاث سنوات ثقيلة عاش فيها السودان وحيدا بلا سند حقيقي وبلا ظهير صادق إلا في فترات متأخرة ولأسباب باتت معلومة للجميع.
السودان الذي فتح أبوابه يوما للجميع في زمن عزه وشموخه وجد نفسه اليوم يتيما يقف وحده في مواجهة عاصفة شرسة.
وقف السودان شامخا، مدافعا عن أرضه وعرضه في مواجهة مليشيا مدعومة من عدة دول تتصدرها إمارة أبوظبي وشيطانها ومعها أبواق الشر ومعتوهو السياسة في الإقليم، ثلاث سنوات كاملة لم نرى خلالها سوى بيانات هزيلة لا تساوي حتى الحبر الذي كتبت به ولا ترقى لمستوى الجريمة المرتكبة في حق شعب أعزل.
ومع اقتراب الحرب من إكمال عامها الثالث دفع الشعب السوداني ثمنا فادحا نزوح بالملايين لجوء قاسي فقر وجوع ودموع ومع ذلك صمد هذا الشعب بفضل الله ثم بفضل جيشه الباسل والقوات المساندة من الحركات المسلحة والمخابرات والشرطة والشباب المستنفرين والمقاومة الشعبية دافعوا عن الأرض والعرض بينما كان العالم في معظمه يتفرج يراقب المأساة ببرود مخزي إلى أن غلبت إرادة الله كل التآمر.
وفي الداخل كانت الخيبة أكبر مؤسسات ومنظمات كانت تملأ الدنيا ضجيجا في سنوات مضت تستضيف الوفود وتعقد المؤتمرات وتصرف الأموال بسخاء على الفنادق الفارهة والمواكب المهيبة بتمويل من الدولة ، هذه المؤسسات نفسها خذلت الوطن في أحلك لحظاته صمتت حين كان الصوت واجبا وتوارت حين كان الموقف فرضا لم تصدر بيان تضامني واحد ولم تحرك ساكنا مع الدول التي تنضوي تحت مظلاتها، كان بإمكانها أن تقود عملا مجتمعيا واسعا أن تستقطب الدعم أن تقيم التكايا وتسند أهل الوجع لكنها اختارت الوقوف في صف المتفرجين.
اليوم ومعركة الكرامة تقترب من خواتيمها والجيش ومعه الحركات والمخابرات والشرطة والمقاومة الشعبية والمستنفرين يحققون الانتصارات في ما تبقى من أرض الوطن يلوح فجر التحرير ويتطهر السودان بإذن الله من دنس المليشيا المتمردة،
يبقى السؤال الذي لا بد منه هل ستعود تلك المؤسسات والمنظمات إلى ضجيجها القديم بعد النصر؟أم أن ذاكرة هذا الوطن الجريح ستسألهم أين كنتم حين كان السودان يتيما؟
