قراءة: محجوب أبوالقاسم
تأتي عودة أحمد المهدي إلى واجهة المشهد السياسي في توقيت بالغ الحساسية حيث تتقاطع الحرب مع تعقيدات المرحلة الانتقالية ويتعمق الفراغ المؤسسي لا سيما في غياب السلطة التشريعية وفي هذا السياق المضطرب يصعب التعامل مع هذه العودة بوصفها حضورا رمزيا أو تحركا عابرا خاصة أنها ترافقت مع لقاء مباشر مع رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن ضعبد الفتاح البرهان ما يفتح الباب أمام قراءات أوسع تتجاوز المجاملة السياسية إلى حسابات المرحلة وما بعدها.
لقاء البرهان..رسائل تتجاوز المجاملة
يحمل لقاء أحمد المهدي برئيس مجلس السيادة دلالات سياسية لا يمكن اختزالها في إطار بروتوكولي ففي ظروف كهذه نادرا ما تكون اللقاءات بلا مضمون وغالبا ما تستخدم لتمرير أفكار أو لاختبار مواقف تجاه ترتيبات قيد التشكل.
وتسليم وثيقة مكتوبة خلال اللقاء يعزز هذا الفهم إذ يشير إلى انتقال من مربع التصريحات العامة إلى مربع المبادرات المدونة بما يوحي بوجود تصور سياسي متكامل أو على الأقل محاولة لوضع إطار أولي لإعادة ترتيب المشهد.
المجلس التشريعي المؤجل يعود إلى الواجهة
ضمن هذه المعطيات تبرز فرضية ربط عودة أحمد المهدي بملف المجلس التشريعي الانتقالي الذي ظل غيابه أحد أبرز مظاهر الاختلال في المرحلة الانتقالية فالحاجة إلى سلطة تشريعية باتت أكثر إلحاحا في ظل الحرب سواء من حيث إضفاء قدر من المشروعية المؤسسية أو من حيث توفير مظلة رقابية وتشريعية تخفف من تركز القرار في يد السلطة التنفيذية وحدها.
هل يطرح أحمد المهدي لرئاسة المجلس التشريعي؟
يمكن قراءة تحركات أحمد المهدي ولقائه بالبرهان في إطار سيناريو محتمل يطرح فيه اسمه لرئاسة المجلس التشريعي الانتقالي، في حال جرى التوافق على تشكيله، فاختيار شخصية ذات خلفية سياسية معروفة وغير محسوبة بحدة على أحد المعسكرات قد ينظر إليه كخيار توافقي يهدف إلى إدارة التوازنات لا كسرها.
كما أن رئاسة مجلس بصلاحيات محدودة قد تستخدم كمنصب توافقي يمنح شكلا مؤسسيا دون أن يشكل تهديدا مباشرا لمراكز القرار القائمة.
حسابات الداخل والخارج
لا يمكن فصل هذه القراءة عن الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة لإعادة بناء مؤسسات الدولة ولو بصورة جزئية فوجود مجلس تشريعي حتى وإن كان انتقاليا ومحدود الصلاحيات يمنح السلطة القائمة ورقة سياسية مهمة في مخاطبة الخارج ويعزز خطاب إدارة الدولة في مواجهة اتهامات الفراغ والفوضى المؤسسية.
عقبات محتملة أمام السيناريو
ورغم منطقية هذه الفرضيات فإن الطريق أمامها ليس معبد، فتشكيل مجلس تشريعي يفتح ملفات شائكة تتعلق بمعايير التمثيل ودور القوى السياسية وموقع الأطراف التي تم استبعادها أو تراجعت أدوارها بفعل الحرب، كما أن أي خطوة من هذا النوع قد تواجه اعتراضات ترى فيها محاولة لإعادة إنتاج المشهد السياسي القديم بواجهات جديدة.

بين المبادرة والتموضع السياسي
في المحصلة سواء كانت عودة أحمد المهدي تمهيدا لدور تشريعي محدد أو مجرد تموضع سياسي محسوب في لحظة إعادة ترتيب الأوراق فإن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق البحث عن مخارج سياسية للأزمة الراهنة فاللقاء مع رئيس مجلس السيادة وتسليم الوثيقة يشيران بوضوح إلى أن الأمر يتجاوز الحضور الرمزي ويدخل في نطاق مبادرات قد تتبلور لاحقا إلى ترتيبات أكثر وضوحا.
ختاما
في نهاية القول لا يمكن قراءة عودة أحمد المهدي ولقائه برئيس مجلس السيادة وتسليمه وثيقة مكتوبة بمعزل عن سياق إعادة ترتيب المشهد السياسي في ظل الحرب والفراغ التشريعي وسواء كانت الخطوة تمهيدا لتشكيل مجلس تشريعي انتقالي أو مجرد تموضع سياسي محسوب فإنها تظل مؤشر على حراك يجري خلف الكواليس بحثا عن صيغ لإدارة المرحلة ،والأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت هذه التحركات ستترجم إلى ترتيبات مؤسسية فعلية أم ستبقى في إطار المناورات السياسية المؤقتة
